شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 716
نقاط نقاط : 972
السٌّمعَة السٌّمعَة : 1
تاريخ الميلاد : 05/04/1991
تاريخ التسجيل : 07/01/2016
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

في تفسير آياتٍ أشكلَتْ مِنْ سورة الأعراف

في الثلاثاء 11 أبريل 2017 - 15:14


فوائد الشيخ محمد علي فركوس:
في تفسير آياتٍ أشكلَتْ مِنْ سورة الأعراف

السؤال:

قال تعالى ـ واصفًا سِحْرَ سَحَرةِ فرعون ـ: ﴿وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ ١١٦﴾ [الأعراف]، وقال عن عَصَا موسى عليه السلام: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ١٠٧﴾ [الأعراف].

قلت: فانظُرْ إلى هذا الأسلوبِ القرآنيِّ البديع، حيث وَصَف السحرَ بأنَّه عظيمٌ وذلك لأنَّه سَحَرَ أَعْيُنَ الناسِ بل عينَ موسى عليه السلام حتَّى أَوْجَسَ في نَفْسِه خِيفةً، وهذا نبيُّ الله، وقال عن الناس: ﴿وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ﴾ [الأعراف: ١١٦]؛ فانظُرْ لهولِ هذا السحر وعَظَمتِه.

ووَصَف عَصَا موسى عليه الصلاةُ والسلام بأنَّها ثعبانٌ مُبينٌ، والمُبينُ ـ في اللغة ـ يُرادُ به: العظيمُ والواضحُ الجليُّ؛ فهي عظيمةٌ لأنَّها أفسَدَتْ سِحْرَ السَّحَرةِ العظيمَ ولا يَغْلِبُ العظيمَ إلَّا عظيمٌ، وهو ـ مع ذلك ـ واضحٌ جليٌّ لا خيالاتٌ كما هي خيالاتُ السَّحَرة؛ فهو ليس سحرًا بل ثعبانٌ حقيقيٌّ؛ فتَبيَّنَ الفرقُ.

فإِنْ كان صائبًا هذا القولُ فوجِّهونا، وإِنْ كان خطأً فصوِّبونا، وحفظكم اللهُ لنا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فأمَّا صفةُ العِظَمِ اللاصقةُ بفعل السَّحَرة فهي في أعينِ الناس على وجه التخييل والتأقيت، ومبناها على السحر المذمومِ شرعًا، وما بُنِيَ على فاسدٍ فلا يُكْتَبُ له الفلاحُ والاستمرار، ومَنِ اتَّصف بذلك فالعَظَمةُ مُنْتفِيةٌ عنه، ويؤكِّدُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩﴾ [طه]، ومعلومٌ عند الأصوليِّين أنَّ الفعل في سياق النفي أو في سياق الشرط مِنْ صِيَغِ العموم؛ إذ يَنْحَلُّ عن مصدرِه وزمانه، والمصدرُ الكامن في مفهوم الفعل في حكم النكرة؛ فيَكِرُّ إلى النكرة في سياق النفي، وهي مِنْ صِيَغِ العموم؛ ولذلك تعمُّ الآيةُ نفيَ جميعِ أنواع الفلاح عن الساحر، وقرَّر ذلك على وجه التعميم والشمول لجميع الأمكنة بقوله: ﴿حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩﴾ [طه]، ومِنْ هذا اللفظِ فُهِمَ أنَّ الساحر كافرٌ لانتفاء الخيرية فيه؛ ذلك لأنَّ الفلاح لا يُنْفى بالكُلِّيَّةِ نفيًا عامًّا إلًّا عمَّنْ لا خيرَ فيه، ومَنِ انتفى عنه الخيرُ فأنَّى تكون له العَظَمة؟! وإنَّما هو عِظَمٌ نِسْبيٌّ في الشرِّ والفساد لمَنِ اغترَّ بهم؛ إذ لا يخفى أنَّ السحرة يَستمِدُّون قوَّتَهم وعزائمَهم وخيالاتِهم مِنَ الشياطين، وهي عنوانُ الفساد والشرِّ، ومهما عَظُمَ الشيطانُ فهو ضعيفٌ بالنظر لحِيَلِه ومكايِدِه وشَرَكِه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦﴾ [النساء]، وما وُصِفَ بالضعف لا يكون قويًّا ولا عظيمًا، وإذا كان أصلُ المَدَدِ ضعيفًا فمَنِ استمدَّ مِنَ الضعيف قوَّةً فلا تنقلب عَظَمةً بالمفهوم الخيريِّ؛ ولذلك كُشِفَ ضعفُ السَّحَرة يوم الزينة، وبَطَلَتْ فتنتُهم؛ ﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ ١١٩﴾ [الأعراف] على ما جاءَتْ به الآيةُ.

هذا، وإنما أَوْجَسَ موسى عليه السلام في نَفْسِه خيفةً؛ لأنَّ ذلك هو مقتضى الطبيعةِ البشرية، مع خوفه ـ أيضًا ـ على الناس أَنْ يَفْتتِنُوا بسحرهم ويغترُّوا بهم قبل أَنْ يُلْقِيَ ما في يده، وإلَّا فهو متحقِّقٌ بوعد الله تعالى جازمٌ بنصره.

أمَّا عَصَا موسى فعِلْمُ اليقينِ وعينُه واقعٌ على أنَّه ليس مِنْ قبيلِ السحر والحِيَل، وأنَّ الحقَّ لا مِرْيَةَ فيه؛ إذ عَظَمتُه مُستمَدَّةٌ مِنَ الحقِّ القويِّ الباقي؛ لذلك كانَتِ المعجزةُ باقيةً غالبةً ودعوتُه صحيحةً ثابتةً، هذا والعِظَمُ فيهما على طَرَفَيْ نقيضٍ وبينهما بَوْنٌ شاسعٌ، ومقابَلتُهما مقابَلةُ حقٍّ لباطلٍ، ولا يخفى على مؤمنٍ أنَّ عَظَمةَ الحقِّ دامغةٌ لعِظَمِ الباطل الزاهق؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ٨١﴾ [الإسراء]؛ فإنَّ الباطل لا ثباتَ له مع الحقِّ ولا بقاءَ، وقد أنكر اللهُ تعالى أَنْ يُسوَّى بين المختلفين والنقيضين؛ فإنَّ حكمته سبحانه وعَدْلَه يأبى ذلك، قال تعالى: ﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥ مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٦﴾ [القلم]، وقال تعالى: ﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨﴾ [ص]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨﴾ [السجدة].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى