شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 716
نقاط نقاط : 972
السٌّمعَة السٌّمعَة : 1
تاريخ الميلاد : 05/04/1991
تاريخ التسجيل : 07/01/2016
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

عوامل مرونة الشريعة الإسلامية

في الإثنين 10 أبريل 2017 - 23:04


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}



عوامل مرونة الشريعة الإسلامية
من الخصائص العامة للشريعة الإسلامية: الجمعُ بين الثبات والمُرونة:

لقد أراد الله - تعالى -لدينه الحنيف أن يكون دينًا عامًّا لكل الخَلْق، وأن يكون خالدًا، تَحكُم شريعتُه الأفراد والمجتمعات الإنسانية، وأن يكون صالحًا ومُصلِحًا لكل زمان ومكان؛ ولهذا كان حرِيًّا بأن يحمل في مضامينه وخصائصه مؤهِّلاتِ خلوده، وصلاحيةَ شريعته لكل عصر ومصرٍ.

ومِن هذه الخصائص - بالإضافة إلى ما سبق ذكره - أن شريعة الإسلام تجمع بين الثبات والمرونة، وهذه الخاصية واحدة من مظاهر الإعجاز التشريعي الذي لا يمكن أن يتوافر إلا للشريعة الإسلامية؛ لأنها ربانية، مُوحًى بها من عند الله الذي خلَق الخَلْق وهو حكيم خبير، محيط عليم بفِطَرهم وطباعهم وما يلائمها.

ومن هنا، فقد حَوَتْ نظم هذه الشريعة وقوانينها أمورًا تتسم بالثبات، لا تقبل التغيير أبدًا، وأخرى بخلاف ذلك، تتسم بالمرونة، وتقبل التغير بما يتمشى مع تطور المجتمعات، وتغير الأحوال والبيئات.

إن هناك أمورًا علم الله - تعالى -أزَلًا أنها تناسب البشر منذ تَنَزُّلِ الوحي، وإلى أن تقوم الساعة، لا يختلف فيها أهل عصر عن آخر، ولا أصحاب مكان عما سواه؛ فشرع الله - تعالى -بشأنها أحكامًا، اقتضت حكمتُه - سبحانه - أن تكون ثابتة، وأن تظل كما هي نَصًّا ورُوحًا، شكلًا ومضمونًا، مظهرًا وجوهرًا، مهما تغير الزمان، وتطورت البشرية، وسواء أتقدَّمت أم تأخَّرت!

ومن أمثلة ما اقتضت حكمة الله - عز وجل - أن يبقى ثابتًا في كل زمان ومكان: أصول العقيدة، أو أركان الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، حُلوه ومُره.

ومنها: العبادات المعروفة؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج.

ومنها: مكارم الأخلاق؛ كالصبر، والصدق، والأمانة، والوفاء، والحياء، والتواضع، والقناعة، والعفة، والرحمة...وغيرها.

ومنها: الحدود، والقِصاص، والدِّيَات، والزواج، والطلاق، والميراث، وحرمة الربا، والزنا، والاحتكار... وغير ذلك من الثوابت.

وهذه الأمور الثابتة قد جاءت بها نصوص تفصيلية صريحة مُحْكَمة، نحو قوله - تعالى -: ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) [البقرة: 275].

وقوله - سبحانه -: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [البقرة: 183].

وقوله - عز وجل -: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ) [النساء: 23].

ومن ذلك أيضًا: ما روَتْه عائشة - رضي الله عنها -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يَحْرُم من الرَّضاعة ما يحرُم من الولادة)) [1].

وما رواه جابر - رضي الله عنه -: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو بمكة عام الفتح: ((إن اللهَ ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام))، فقيل: يا رسول الله، أرأيتَ شُحُوم الميتة؛ فإنه يطلى بها السفن، ويُدْهَن بها الجلود، ويَسْتَصْبِح بها الناس؟! فقال: ((لا، هو حرام))، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: ((قاتل اللهُ اليهودَ؛ إن الله لما حرم عليهم شحومها، جَمَلوه ثم باعوه، فأكلوا ثَمَنَه)) [2].

وما رواه جابر أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما أسكَر كثيرُه فقليلُه حرام)) [3].

فهذه بعض الأمثلة على ما هو ثابت بيِّن مما شرعه الله - تعالى -.

ويقابل هذا الثابتَ - كما ذكرنا - دائرةٌ أخرى، هي دائرة أوسعُ وأعمُّ، من شأنها أن تستوعب النوازل، وتلاحق التطورات والمستجدات، وَفْق أصول الشريعة ومقاصدها، بما يوسِّع على الناس، ويرفَع الحرج والمشقة عنهم، وإن اختلفت أعصارهم وأقطارهم، وهي دائرة تتسم بالمرونة والسَّعة.

مِن عوامل السَّعة والمرونة في الشريعة الإسلامية:

فما الذي يعمل على توافر هذه المساحة المرِنة ويساعد على إبقائها مستمرة في الشريعة الإسلامية ونُظمها؟

1 - ربانيَّة الشريعة الإسلامية:

إن أولَ عامل في إيجاد هذه الخاصية المرنة في الشريعة الإسلامية هو كونها ربانية المصدر؛ فما كان الله الحكيم العليم ليشرع لخَلْقه شريعة تكون خاتمة الشرائع، وعالمية لكل البشر في كل زمان ومكان، ثم تكون هذه الشريعة جامدةً عاجزة عن مواكبة ومسايرة التطور الإنساني، الذي علم اللهُ سَلَفًا أنه كائن وواقع.

ولذا اقتضت حكمتُه - سبحانه - وعدلُه ورحمتُه أن يُلزِم عباده بتشريعات ثابتة قطعية محددة، كما أشرنا إلى بعضها سابقًا، وهذه يُنَصُّ عليها بنصوص تفصيلية صريحة، سواء أكان في القرآن أم في السنة، وأن يُكلِّفهم بأمور ما، ثم يوسِّع عليهم في كيفية الإتيان بها، وطريقة تحقيقها، وهذه تأتي ضمن قواعد كلية ونصوص عامة، وقد لا يكون هذا التكليف ولا ذاك التشريع، بل يسكت الله - تعالى -عن أمور؛ رحمةً بعباده غير نسيان، وهذا ما يُسَمى بالعفو.

عن أبي ثعلبة الخُشَنِي - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله فرض فرائض فلا تُضيِّعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم من غير نِسيان فلا تبحثوا عنها)) [4].

وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عَفْوٌ؛ فاقبَلوا مِن الله عافيته؛ فإن الله لم يكن لينسى شيئًا))، ثم تلا هذه الآية: ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) [مريم: 64] [5].

قال الإمام ابن رجب: فحديث أبي ثعلبة قسَّم فيه أحكام الله أربعة أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكام الدين كلها [6].

فأما الفرائض، فما فرضه الله على عباده وألزمهم القيام به؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج.

وأما المحارم، فهي التي حماها الله - تعالى -، ومنع من قُربانها وارتكابها وانتهاكها.

وأما حدود الله التي نهى عن اعتدائها، فالمراد بها جملة ما أَذِنَ في فعله، سواء كان على طريق الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، واعتداؤها هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه؛ كما قال - تعالى -: ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) [الطلاق: 1]، والمراد: من طلَّق على غير ما أمر الله به وأَذِنَ فيه.

وقد تُطلق الحدود ويراد بها نفس المحارم، وحينئذ فيقال: لا تقربوا حدود الله؛ كما قال - تعالى -: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ) [البقرة: 187].

وقد تُسمَى العقوبات المقدَّرة الرادعة عن المحارم المغلظةِ حدودًا، كما يقال: حد الزنا، وحد السرقة، وحد شرب الخمر.

وأما المسكوت عنه، فهو ما لم يُذكَرْ حكمُه بتحليل ولا إيجاب ولا تحريم، فيكون مَعفُوًّا عنه، لا حرج على فاعله.

وقوله في الأشياء التي سكت عنها: "رحمة من غير نسيان" يعني: أنه إنما سكت عن ذكرها رحمة بعباده ورفقًا، حيث لم يُحرِّمها عليهم حتى يعاقبهم على فعلها، ولم يوجِبْها عليهم حتى يعاقبهم على تركها، بل جعلها عفوًا، فإن فعلوها فلا حرج عليهم، وإن تركوها فكذلك [7].

وجدير بالذكر أن دائرة العفو، أو المسكوت عنه، واسعة في مجال التشريع.

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن من مصادر التشريع الإسلامي "الاستصحاب"، ومعناه في اصطلاح الأصوليين: الحكم على الشيء بالحال التي كان عليها من قبل، حتى يقوم دليل على تغير تلك الحال، أو هو جَعْل الحكم الذي كان ثابتًا في الماضي باقيًا في الحال حتى يقوم دليل على تغيُّره [8].

ومِن القواعد الشرعية التي بناها العلماء على الاستصحاب أن "الأصل في الأشياء الإباحة"؛ فكل أمر لم يرد بشأنه حكم لا في الكتاب ولا في السنة، ولا في المصادر الأخرى، فإنه يُحكَم بإباحته بناءً على مبدأ استصحاب الحكم الأصلي للأشياء، وهو الإباحة، وهذا الأصل وأمثاله من شأنه أن "يجعل الفقهاء في سَعة، ويُخلِّصهم من مواقف الحيرة والتردد، ويفتح لهم طرقًا يصدرون بها الفتوى في يُسرٍ، وينفُذون منها إلى الفصل في القضايا في سرعة، زيادة على ما فيه من الدلالة على سماحة الإسلام، وأنه دين الفطرة، الذي لا يشعر المستظلون بلوائه بحرج فيما شرع لهم من أحكام"[9].

الكاتب : إسماعيل علي محمد
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى