شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 686
نقاط نقاط : 942
السٌّمعَة السٌّمعَة : 1
تاريخ الميلاد : 05/04/1991
تاريخ التسجيل : 07/01/2016
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

القناع الأبدي

في الأحد 9 أبريل 2017 - 0:11


\ بجلباب أزرق فاخر ,ومنديل رأس بنفس اللون , ونفس حائرة بلون الرماد , أغلقت الباب خلفها وقصدت كرسي الجلوس أمام مكتب الطبيبة وقد بدت في حالة سيئة للغاية
تهاوت عليه ملتفة بصمتها , وأرخت أدنيها لأذان العصر
لم تتجاوز سنها الرابعة والعشرين, بقوام جميل وطلة يائسة ... سكناتها وحركاتها لا توحي إلا بجمال بديع وعناية بالغة .
غرقت في كرسيها وطالت نظراتها للأرض أسفل قدميها, ولم تنبس ببنت شفة, فبادرتها الطبيبة متسائلة :
-إذن هل نتعرف قليلا؟
رفعت رأسها ,فبدت منه عينان سوداوتان و واسعتان بين خصلتي شعر مموج منساب أسفل المنديل ونطقت بمبسم دقيق قائلة:
-نعم أنا آسية هكذا عرفت آسمي مند وعيت
بنبرتها الهادئة تكمل الطبيبة
-طيب آسية ما المشكلة؟
تجيب حائرةوكتفاها منهاران من ثقل الذراعين ونظراتها دائما إلى الأرض حيث قدماها :
-رأسي سيدتي ... رأسي يؤلمني كثيرا..أكثر مما عدت أستطيع , وكل المسكنات لم تعد تجدي معي نفعا أبدا ...أحس بطنين لا ينتهي أبدا ……….يلازمني بالليل والنهار..... لا أنام إلا لأتوسد الطنين والأزيز ..ولا أصحو إلا لأبدأ يومي به... أحس بمطارق تنبض برأسي وتشتد مع إطلالة كل يوم جديد ..أحس بقلبي ينبض داخل عروق رأسي, وبأمواج هائلة تتصادم تحت قشرته...ما عدت أطيق ذلك أبدا.
تقاطعها الطبيبة :
-حسنا ومند متى بدأت هذه المشكلة آسية.
بنفس جلستها وجسدها المتهاوي تجيب :
- مند سنتين تقريبا ,أو ربما أكثر , لا أعرف بالضبط لكنه أمر عانيت منه بعد سنة واحدة من زواجي
وتضيف :
-لكن الحدة كانت مقبولة.نعم لم تكن بهذه القوة , وكنت أستطيع التعايش معها ,أما الآن فلا أستطيع أبدا ... رأسي سينفجر من جهة واحدة وقواي أصبحت منهارة للغاية, أصبحت عاجزة عن مغادرة الفراش و حتى القيام بواجبي في المنزل.
-هل زرت طبيبا من قبل؟
-نعم زرت جملة من الأطباء, ومنهم من قال أني أعاني من فقر دم وقمت بكل التحاليل ودمي ليس بالفقير , ومع الألم والطنين تشوشت رؤيتي فزرت طبيب العيون و أخبرني أن نظري سليم لا تشويش فيه , ثم أوصوني بزيارة طبيب الأذن الداخلية لكن أذناي سليمتان ,أما حالتي فتزداد سوءا يوما بعد يوم, ولا شيء أبدا ساعد في خفض ألمي , والطنين أصبح جزءا من حياتي غير المطاقة, بل الأدهى أني بدأت أفقد توازني وأتكئ على الجدران لتلمس طريقي.
بنبرتها الهادئة تسألها من جديد وهي تدون بعض السطور على مذكرتها:
-ومن أرشدك إلى طبيب الرأس والأعصاب
-إنه زوجي
-هل هو معك الآن؟
بإشارة من رأسها تجيب نعم وتنبس قائلة :
إنه بالخارج ورفض الدخول معي ... قال أنه سيتركني على راحتي , وأنه سيراك بعد الفحص وبعد أن أتحدت إليك بما يؤرقني.
وتعقب الطبيبة:
- جيد جدا ,مرحبا آسية ...لن يكون إلا الخير بمشيئة الله
-تم تغادر كرسيها وتطلب منها أن تتبعها إلى قاعة الفحص, وبنفس طيبتها ونبرتها الهادئة تخاطبها:
-إذن هل نقوم ببعض الفحوصات آسية؟
وتجلسها على طاولة ممتدة , تم تباشر بعض الفحوصات برأس مريضتها وأذنيها مرفوقة ببعض الأسئلة , قبل أن تطلب منها العودة إلى مكان جلوسها وتسألها من جديد:
-غير ألم الرأس هل تعانين من شيء آسية؟
تم تركز نظرها إليها وتطلب منها العودة إلى المكتب , وتخاطبها قائلة:
-إذا لم تتحدثي إلي لن تجدي من يسمعك ....أنا هنا من أجلك , هل تحكين لي قليلا ما يزعجك؟
ترخي آسية بصرها إلى الأسفل وتشبك يديها وهي تقول:
-لا شيء..لا شيء البتة يزعجني...
ويعم صمت موحل القاعة الصغيرة , تم تراقب شعاع شمس العصر وهو ينسل من النافدة خلف مكتب الطبيبة, وأمام نظرات هذه الأخيرة المتواصـلة والثابتة تضيف:
-صدقيني ...ليس من حقي أن أنزعج أبدا, ولا مبرر لي لذلك .. على أن أحمد الله كل الحمد صباحا ومساءا لأنه سخر لي أناسا أخذوا بيدي منذ وفاة والدي معا , ووفاة الحاجة أمينة التي تكفلت بي بعدهما, وقد كدت أضيع إلى الشارع بعد أن طالبني ورثتها بإخلاء المنزل ..لكن ألطاف الإله أرسلت إلي جارنا يونس الذي تزوجني من يومي, وأحضر والدته وأخته ميمونة حاملين معهم ما يليق ببنات العائلات العريقة , لا ما يليق بغصن مقطوع من شجرة تتقادفه الرياح, لم يعاملوني كيتمة لا سند لها , ولم يقصروا أبدا في شيء, ولا أعتقد أني كنت سأحظى بأكثر مما حظيت به منهم لو كان والداي على قيد الحياة , أقاموا لي عرسا كبيرا ... كبيرا جدا ولم يغفلوا شيئا ,ولم يدخروا شيئا
وفتحوا لي بيتهم...وخصصوا لي دارا مستقلة بثلاث غرف
تتوقف قليلا ثم تضيف:
-كان يكبرني بعقدين كاملين , وربما تجاوز الأربعين بسنتين, وكان عمري 21 سنة ووجدت فيه وفي ميمونة ووالدتهما الصدر الرحب واليد الممدودة لإنتشالي من وحلي,لكن الوحل جزء لا يتجزأ مني أبدا
وبنبرة مستفهمة وحادة تتساءل أمام الطبيبة:
-لماذا إذن سأنزعج؟هل يحق لي ذلك سيدتي؟ هل ترين أنه من حقي الإنزعاج؟
لا تجد الطبيبة بدا من محاولة إمالة كفة الحديث فتسألها:
-وماذا عن أطفالك هل لديك أطفال؟
وتستمر في حديثها بنفس الوثيرة المستفهمة
- الأطفال ... الأطفال هم منى الروح ومبتغى زوجي .. يونس لكن لم نرزق بهم بعد, ولا تسأليني عن السبب ,فزوجي سليم وأنا سليمة لكني أستعمل حبوب منع الحمل خفية منه.
يبدو بعض العجب على محيا الطبيبة فتقول:
-لابد أنك تنتظرين الوقت المناسب لذلك
فتجيب آسية بنفس نظرتها:
-لا أعرف .. لا أعرف صراحة ,وكثيرة هي الأشياء التي لا أعرف سببها في حياتي , لكني أفعل ذلك, نعم أفعله , ولا أستطيع منع نفسي من فعله ,وفي بيتي الواسع والمنفصل عن بيت حماتي وابنتها.. رغم أني لوحدي وأنعم بكل شيء ,
فلا شيء يعجبني..
لا شيء أبدا يفرحني ......
لا شيء أبدا يسعدني....
لاشيء يفاجئني ...أحس دوما أني أتيت من عالم غريب , عالم بعيد جدا من أقاصي الأرض أو خارجها , إلى حياة أعيشها عن مضض وأبتلع أيامها رغم أني لم أخترها ولكني وجدت نفسي في دوامتها , إنه إحساس كبير وبغيض ومؤلم وموخز للغاية , وفي وقت وحدتي ومغادرة زوجي للعمل فلا شيء يحبس دموعي المستمرة ,..أبكي باستمرار , كأني أبكي حياة ولدت فيها عنوة ,وتنطلق دموعي بألم وبحرقة كطفلة أضاعت دميتها,وحين أستيقظ ليلا بعد ساعات قليلة من نومي , أفقد القدرة على النوم مجددا رغم المسكنات, فلاأجد شيئا أقاوم به تشبتي بواقع مماثل غير الصمت ,أو أحيانا مشاهدة التلفاز أو تناول طعام بدون طعم ولا رائحة أعدته يداي هاتان
يعم صمت المرارة والتساؤل من جديد فتتململ الطبيبة بمقعدها وقد أسقط بيدها وتسألهاوقد علت شفتيها بسمة حانية:
-وماذا يستهويك في التلفاز من برامج آسية؟
من داخل مستنقعها العميق جدا وبنفس نبرتها تجيب
-أكره كل شيء, أكره المسلسلات ممن تتابعهن كل النساء, وأكره الأفلام والأغاني,وأكره المسرحيات التي تضحك الجميع لأنها لا تضحكني أبدا أشاهذ التلفاز دون صوت,لاشيء يستهويني, لكني أتابع من عالمي وما عساي فاعلة؟
ثم تكمل حديثها السابق غير مستسلمة لحركة الطبيبة في تغيير دفة الحديث
-روحي دائما مقبوضة ومعصورة كما لو كنت في مكان قليل الهواء وخوف شديد ينتابني دون أي سبب ودون سابق إنذار , فتنتابني موجة هلع لا سبب لها ,ويخفق قلبي بشدة, وتتسارع نبضاته لدرجة يلاحظها كل من حولي .
وبعصبية ظاهرة تعصر يديها وهي تضيف:
-لا شيء يخرجني من دوامة همي.. لا شيء يفرحني ككل الناس كأن شيئا يطاردني إلى مالا نهاية ,أو كان الفرحة لم تخلق لأمثالي , وصباح كل عيد ميمون يسعد الناس ويغنون ,أما أنا فألبس ملابس جديدة وألبس معها موجة قهر لا علم لي بمصدرها ,فيضيق صدري وأغالب دمعي , وأهرب من حماتي وزوجي, وأجلس في غرفتي لأخفي عنهم وجهاعبوسا متجهما لا يعرف الفرحة ,ولا أستطيع التخلص من لحاقه ومطاردته الطويلة
تمسح بيديها على وجهها المتعرق وتقول:
-أنا والكآبة وجهان لعملة واحدة
تغير الطبيبة مكانها وتجلس في مقابلة آسية وتعيد سؤالها في موقف ربما لم تتعرض له سابقا:
- وكيف هي علاقتك بزوجك آسية ؟
كما لو تلقت صعقة هائلة , تبدو علامات خوف على وجهها ودهشة و تجيب متمتمة ومخاطبة نفسها:
-زوجي يونس أطيب خلق الله وأتقاهم وأكترهم عفة
-هل تحبينه
تنطق بصوت خافت و كأنما تنتزع الكلمات من شفتين ترفضان مطاوعتها
-أكرهه
تقترب منها الطبيبة مصغية السمع فتضيف:
- أكره زوجي أكرهه ..أكرهه.. ولا أطيقه أبدا أكره فيه كل شيء أكره طريقة أكله وطريقة نومه , ولباسه المنزلي وطريقة حديثه ورده ..... أكره هدوءه واتزانه....... أكره طيبته معي ... أكره صوته في المنزل ..أبدا لم أحببه يوما
تصمت قليلا لتستجمع بعض الكلمات وتكمل:
-نعم زوجي يونس هو ولي نعمتي , وصاحب الفضل علي, وبماله الخاص أنا هنا للعلاج, ولا يرفض لي طلبا أبدا , لكني أكرهه ,ولا أنتظر إلا وقت مغادرته للمنزل كي لاأراه , وجوده في المنزل يخنقني ويربكني, وأكره نظراته إلي لا أجد شيئا مشتركا بيني وبينه أبدا كأننا من عالمين متناقضين
تسألها الطبيبة:
-وهل صارحته بذلك هل تحذثتما يوما في أمر كهذا؟
فتجيب مذعورة:
-لا أستطيع ...لا أستطيع أبدا... فرغم أني لم أعرف معنى الحب ولم أجربه يوما ,ولم أتعلق يوما سوى بمربيتي الحاجة أمينة.... فأنا مؤمنة أن حبه لي كبير .... كبير جدا أكثر مما يجب لحقيرة متلي , وأعرف أنه يحبني حبا شديدا , ويبذل جهدا كبيرا لإرضائي , ولم يذخر جهدا , لذلك لا أستطيع ,أنا لا أستطيع مصارحته بذلك لسبب واحد , لأنه لا يستحق مني هذا الأمر

ثم تحني رأسها وتضيف:

-ولأني سأجد نفسي في الشارع ..
وكأنما تساءل نفسها تدير رأسها بالغرفة قائلة :
-لابد أنه سيسألني عن السبب , لابد ستسألني ميمونة والحاجة ,أي سبب سأختلقه , وهل من سبب لواحدة مثلي لتكره زوجا أفاض عليها من ماله وعطفه غير الجنون والحقارة.؟
تسألها الطبيبة من جديد
هل أسالك آسية كيف هو زوجك ؟
تجيب بسرعة:
-إنه في الخارج بقاعة الإنتظار, وسترينه ليس بالزوج الدميم, ولا ذي الطباع الكريهة, إنه شخص بشوش و حنون ومقبول للغاية ربما أحسد عليه من غيري .
وتكمل غارقة في حزنها
- لكن هذا ما أشعر به في قلبي الميت , وقد حاولت جاهدة التقرب منه لأحبه, لأنه لا يستحق إلا الحب والعرفان بل يستحق أن أقبل يديه ورأسه لصبره وسعة صدره معي, لكني عجزت.....عجزت تماما عن التصدي لشعوري الجارف ولم ألمس أبدا في حفرة قلبي الآسنة غير شعور كبير بالكره والنفور اتجاهه ..إنه شعور متعاظم وزاحف كظلمة ليل أبدية لا حائل بينها وبين الكون
ثم تضع وجهها بين يديها وتنهار في موجة بكاء وهي تنطق بجملتها
-أنا دنيئة وناكرة للجميل أنا أخس وأحقر إنسانة على وجه الأرض
تضع الطبيبة يدها على يديها وتضمهما قليلا وتقول:
-أهذا كل شيء أهذا ما يزعجك .. أسية ... ؟ طيب لا تقلقي سنجد حلا,وسنبحث عن المشكل الحقيقي
تتوقف عن بكائها وترفع عينين مخضبتين متسائلة:
-هل أنا إنسانة عادية في نظرك؟ هل مر من هذا الكرسي خلق أمثالي ... هل هناك قلب بمثل هذا الجحود والنكران ؟ ورأسي هذا ..لماذا لا يتوقف عن الطنين وقد جربت كل الأدوية؟ألن يأتي يوم وأنعم فيه بالسكينة ككل الناس ,و بالفرحة ككل الناس ؟ وبالحب لزوجي ككل الناس؟ هل أتخلص يوما من شعور الخوف والهلع الذي يطاردني منذ تعلمت العد والحساب ؟هل أنزع يوما قناع الأسى و الوجوم العابس وأعلق عوضه قناع البسمة ككل الناس؟هل أقهر هذا الشعور وأرد الجميل ولو مجزءا لإنسان يستحق كل العرفان؟
ثم تستسلم لفيض من شهيق لا هب




يتبع





لا أكتب الواقع..لكن أكتب من الواقع





إذا لم يكن لديك مانع أيها القارئ الكريم ولست ممن يتجاهلون مواضيعي

أريد أجوبة على ما يلي

هل هذه الإنسانة موجودة أم أن النص موغل في الخيال؟

هل هناك إنسانة تكره زوجها؟

ما هو الحل في نظرك لمثل هذه الحالة؟







منقول
avatar
الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 1825
نقاط نقاط : 2532
السٌّمعَة السٌّمعَة : 12
تاريخ الميلاد : 01/01/1997
تاريخ التسجيل : 31/07/2013
الموقع : algeria
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://www.darisni.com

رد: القناع الأبدي

في الأحد 30 يوليو 2017 - 0:05
تقييم المساهمة: 100% (1)


موضوع رائع جدااا
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى