شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 716
نقاط نقاط : 972
السٌّمعَة السٌّمعَة : 1
تاريخ الميلاد : 05/04/1991
تاريخ التسجيل : 07/01/2016
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الدين أمانة الأفراد والأجيال

في الأحد 2 أبريل 2017 - 10:32


الدين أمانة الأفراد والأجيال
 


[rtl]الدِّين هو الأمانة التي ائتمن الله عليها الإنسان، فرضِيَ أن يحملها ويقوم بحقها بعدما أبَتِ السماوات والأرض والجبال أن يحمِلْنَها وأشفَقْنَ منها، ومن ثَم وجب على الإنسان أن يقوم بهذه الأمانة، وأن يحافظ عليها ويصونها، ذلك واجب كل جيل مِن الأجيال حتى يسلمها للأجيال التي بعده، كاملة غير منقوصة.
ومِن الواجب على كل مسلم: أن يعرف قدر هذه الأمانة، ويدرك أهميتها، وحق عليه أن يساهم في المحافظة عليها بما عليه في ذلك من نصيب، والعبء الأكبر في هذا بلا ريبٍ يقع على العلماء؛ لأنهم روَّاد الطليعة الإسلامية في كل جيل؛ فالناس تتبعهم على مواقفهم، وتأتسي بأعمالهم، وتقتدي بأحوالهم، وقد فهم القادة الأوَّلون ذلك كل الفَهم، وعرَفوه كل المعرفة، وها هو ذا أبو بكر - رضي الله عنه - يقول في محنة الرِّدة: والله لا ينقُصُ الدِّين أبدًا وأنا حي، والله لو أخَذَت الكلابُ بأرجُلِ أمهات المؤمنين في المدينة، لمَا تركتُ قتالهم، ولو منعوني عِقالَ بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لقاتلتُهم عليه بالسيف.  
هكذا فهم القادة الأوَّلون أمانة الدِّين، ودورهم الواجب في صيانته والمحافظة عليه، ووجوب تسليمه للأجيال اللاحقة كاملًا غير منقوص، سليمًا غير مشوَّه.  
ولئن وُجدت الدعوة بضرورة التكافل الاقتصادي والاجتماعي بين الأفراد والأجيال، فإن الدعوةَ إلى التكافل الديني أشدُّ ضرورة؛ فالدين مقدَّم على كل ما سواه، وحاجة الناس إلى الدِّين هي أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب.  
وقد وعى علماؤنا الكرام هذا الدرس جيدًا، فضربوا لنا المثَل الأعلى في الحفاظ على الدِّين، وبذلوا المُهَج والأرواح فداءً له، في ميدان الدفاع عنه ضد الأعداء الكائدين، وفي ميدان الدفاع عنه ضد شبهات الأصدقاء الجاهلين، ومن أولئك العلماء الذين لهم القدح المعلى في هذه السبيل الأخيرة: العلامة الإمام، سيد الفقهاء، يوسف بن يحيى، الشهير بالبويطي، مؤلف المختصر في الفقه، الذي اقتبسه مِن كلام الشافعي، وهو صاحب الإمام، وأعلم أصحابه، ومَن قام مقامه في الدرس والإفتاء بعد وفاته بوصية من الإمام نفسه[1].  
كان البويطي - رحمه الله - إمامًا في العلم، قدوة في العمل، وكان عابدًا مجتهدًا زاهدًا ربانيًّا، متهجِّدًا صالحًا متنسكًا، دائم الذِّكر والعكوف على الفقه، كبير القدر، وقد شاء الله - تعالى -أن يكون أحد المبتلَيْنَ في محنة خَلْق القرآن الشهيرة؛ إذ سعى به بعض الوُشاة عند ملأ الخليفة، وهم يومئذ رؤوس الفتنة، حتى كتب فيه ابن أبي دُؤَاد إلى والي مصر، فامتحنه في القول بخَلْق القرآن، وبالطبع فإن البويطي لم يجبهم إلى ما أرادوه، بل قال ما يريد منه علمُه أن يقوله، وكيف يجيبهم بما فيه رضاهم وهو يُسخط الله وهو من هو؟ وكان من فضل الله - تعالى -على البويطي أن اعترضت سبيله عقبات ظاهرها التخفيف عنه، وباطنها غير ذلك؛ لتظهر لنا معدنه الحقيقي الأصيل، وتعلمنا من موقفه ذاك الدروس العليا في واجب أداء الأمانة.  
فمِن ذلك أن والي مصر حينها كان حسن الرأي في البويطي، فدعاه وقال له: يا إمامنا، قل ما يرجونه فيما بيني وبينك، وأنا أكتب إليهم به، فيكفون عنك ولا يعودون إلى سؤالك، ها هي النجاة تأتي البويطي على طبق من ذهب، فما عليه إلا أن يوافق الوالي على ما يقترح، وعلى الوالي بقية الأمور، صياغة الرد، وكتابته، وختمه، وحمله بالبريد، وإيصاله إلى عاصمة الدولة في بلاط الخليفة؛ ليطلع عليه المَعْنيون بالأمر وينتهي البلاء كما لو لم يأتِ، هذا كان الوالي يقترح، فبمَ ردَّ هو عليه؟
قال البويطي: إنه يقتدي بي مائة ألف، ولا يدرون المعنى، يعني ما أقصده أنا وأنت، قال البويطي ذلك وقد كان أمر أن يحمل إلى بغداد في أربعين رطل حديد.  
وبالفعل، لما لم يرضهم نفَّذ ذلك فيه، فيا ويح أولئك النفر الذين وشَوْا به ونموا عليه، وقد كان هو يشكوهم إلى الله - تعالى -، ويقول: برئ الناس من دمي، إلا ثلاثة: فلان وفلان وفلان، وفي ذلك درس لأولي الألباب؛ فليحذر العاقل من السعي بغيره إلى الهلكة؛ فإنه يبوء بإثمه، ويكون من أصحاب النار بسهمه في قتل أخيه، فهل يعقلون؟ وربما كان ذلك من تحاسد الأقران والزملاء، وبئس الصنيع! ولله دَرُّ الذهبي إذ علق على ذلك الخبر بقوله: استفق، ويحك، وسل ربك العافية؛ فكلام الأقران بعضهم في بعض أمر عجيب، وقع فيه سادة، فرحم الله الجميع!  
لقد كان البويطي وليًّا من أولياء الله، المبطنين للخير، العاملين به في السر، وقد أطلقت المحنةُ ألسنةَ الناس بالشهادة له؛ فحدَّث عنه خلَّانه وأصدقاؤه وجيرانه بأخبار هي غاية في العجب.  
يقول جاره أبو الوليد ابن أبي الجارود: كان البويطي جاري، فما كنت أنتبه ساعةً من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي.
ويقول صديقه الرَّبيع بن سليمان: كان البويطي أبدًا يحرك شفتيه بذكر الله - تعالى -، وما رأيت أحدًا أنزعَ بحجة من كتاب الله - تعالى -من أبي يعقوب البويطي.  
وقال الناس أعظم من ذلك، قالوا: إنه كان يصوم، ويتلو غالبًا في اليوم والليلة ختمة، مع صنائع المعروف المتنوعة التي كان يقدِّمها إلى مختلف الناس.  
لله أعمال الرخاء هذه، إنها لتظهر وحدها في الوقت المناسب، وتشيع دون عناء، وتثبت صاحبها في وقت الشدة دون تردُّد.
وقد ثبت البويطي في هذه المحنة ثباتًا عظيمًا، كان مضرب المثَل للعلماء، وأسوة حسنة لكل من أتى بعده ووقع في المِحن مثله.  
أمر بالبويطي أن يحمل إلى بغداد على هيئة شاقة، أُركِب على بغل، وربط في عنقه غُل، وفي رجليه قَيد، وبينه وبين الغُل سلسلة فيها لبنة طوبة وزنها أربعون رطلًا، وللقارئ الكريم أن يتخيل حجم ذلك البلاء مع طول المسافة بين مصر وبغداد، وقد أظهر - رحمه الله - اصطبارًا وثباتًا، بل كان وهو يعاني هذه المشقة وينوء بهذه الأثقال يدعو مرافقيه في الرحلة إلى الله، ويحذِّرهم أن يصدقوا ترهات القوم وادعاءاتهم على القرآن، ويسُوق لهم الحجج والبراهين المؤيدة لأقوال المبتلَيْنَ الثابتين في المحنة، الرافضين لموالاة السلطة على الباطل والإفك الذي تؤيده بقوة السياط، وكان من بعض حُجَجه قوله: "إنما خلق الله الخَلْق بـ: "كن"، فإذا كانت مخلوقة، فكأن مخلوقًا خُلق بمخلوق، ولئن دخلت عليه لأصدُقَنه - يعني الخليفة الواثق - ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم"[2].
أوه!
هذه هي الرسالة التي يحرص البويطي على أن تبلغ الأجيال، ومضمونها الحفاظ على هذا الدِّين، مهما تكن التضحيات شديدة، بالغة ما بلغت، قتلًا بالسيف، أو موتًا بين الجدران، أو رميًا بالرَّصاص!  
فدِين الله أغلى من كل شيء.
وصل البويطي - رحمه الله - إلى بغداد، وأُودِع السجن بقيوده، لم تفك عنه، ولبث في السجن مدة، فكان إذا سمع المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة اغتسل ولبس ثيابه ومشى حتى يبلغ باب السجن، فيقول له السجان: أين تريد؟ فيقول: أجيب داعي الله، فيقول: ارجع عافاك الله، فيقول أبو يعقوب: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيَك فمنعوني.  
ما ونَى البويطي في محبسه، كما كان في سيره ذاك الشاق يدعو إلى الله - تعالى -كل من رآه؛ المسجونين، والسجانين، بل كان يكاتب إخوانه الذين في الخارج يوصيهم بالحق، ويوصيهم بالصبر، إي والله بالصبر، قال الربيع بن سليمان المرادي: كتب إليَّ أبو يعقوب البويطي أن اصبِرْ نفسك للغرباء، وحسِّن خُلقك لأهل حلقتك؛ فإني لم أزل أسمع الشافعي يقول كثيرًا ويتمثل:
أهين لهم نفسي لكي يكرمونَها *** ولن تُكرَمَ النفس التي لا تهينها
وقد شاء الله - تعالى -أن يتوفى البويطي، - رحمه الله -، في قيده مسجونًا، بالعراق، في سنة 231هـ، أو بعدها بسنة، وكانت وفاته يوم الجمعة قبل الصلاة، تلك التي كان يتهيأ لها بما ذكرناه، فسبحان الذي يختم للمرء بما عاش عليه.
==============
[1] تهذيب (11: 427)، ووفَيَات (2: 346)، وتاريخ بغداد (14: 299)، والانتقاء (109)، ومفتاح السعادة (2: 168)، وطبقات السبكي (1: 275).
[2] مناقب الإمام أحمد (397).[/rtl]


 
الكاتب : أحمد الجوهري عبد الجواد
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى