شاطر | 
 

 مدخل الى تحليل نسقي شامل للازمة القرارية في غرداية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
معلومات العضو




معلومات إضافية
الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 2068
نقاط نقاط : 2128
السٌّمعَة السٌّمعَة : 7
تاريخ الميلاد : 27/11/1999
تاريخ التسجيل : 03/08/2013
الموقع : algeria
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.darisni.com
مُساهمةموضوع: مدخل الى تحليل نسقي شامل للازمة القرارية في غرداية   الخميس 20 مارس 2014 - 13:49





بحثا عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء اندلاع الأحداث الأخيرة، سنحاول أن نقدم محاولة تشخيصية للوضعية، من خلال اعتماد مقاربةعلمية محددة نحلل مثل هذا "العنف الاجتماعي" في القرارة ومدن مزاب عموما، مع تقييم للتغطية الإعلامية التي واكبت الأحداث، فضلا عن التعرض لجملة حلول للحيلولة دون تكرار مثل هذه المواجهات في المستقبل.
بداية، ضمن هذه الرؤية التحليلية لأزمة القرارة الأخيرة، سأربط السبب بالنتيجة والمشكلة بالحل وذلك في سياق تحليلي شامل ومتكامل.ومنه، لابد أن أشير ابتداءا إلى أن الصدمة كبيرة لدى كل جزائري وخاصة لدى شريحة هامة من سكان القرارة ؛ لأن حجم العنف والتخريب المادي والترويع للآمنين منهم كبير. فالإحصاءات تتوالى لتذكرنا بدراما أو مأساة بريان وغرداية وغيرها من مدن الولاية خلال العقود الثلاثة الأخيرة. ولا أخفي عليكم بأن حجم الضرر المعنوي أكبر. ومنه خاصة انخرام جزء هام من رصيد قيمة الثقة بين مواطني وجماعات وأعراش المدينة. ومنه، فإننا نواسي أنفسنا ونواسي المتضررين وندعو إلى التهدئة والتعقل والحوار البناء بين مواطني مدينة القرارة العامرة. وندعو عقلاء القرارة والولاية والجزائر في مختلف المؤسسات الأمنية والأعيانية والحزبية والمنتخبة والإعلامية إلى توخي الدقة والموضوعية والحكمة والتحكم في المشاعر وأيضا انتهاج أساليب الإنصاف وآليات الحوار والوساطة وإصلاح ذات البين ووقف سيل الإشاعات والتقيد بنشر الأخبار الحقيقية وإعمال روح العدالة والحزم تجاه الجناة بآليات قانونية وحقوقية منصفة للمتضررين مباشرة من هذه الأحداث ؛ والتي يرجى أن تشكل لها لجنة برلمانية موسعة بمشاركة المنتخبين المحليين، للتحقيق فيها والكشف للجهات المعنية القضائية والتربوية والسياسية والاقتصادية عن الحلول الجذرية لها.
كما نؤكد علىأهمية قيام الحكومة بتعويض المتضررين الأبرياء الذين فقدوا مركباتهم ومحلاتهم وورشاتهم ومنازلهم؛ والتكفل بعلاج المصابين ؛ فضلا عن المتابعة القضائية للمتورطين المحرضين الحقيقيين الذين أشعلوا الأحداث ؛ مع التوصية للقيادات الأمنية المحلية، بتلافي الاعتقالات الأمنية العشوائية المعتادة محليا والتحيز في أداء بعض عناصر قوات الأمن والتزامهم أقصى درجات ضبط النفس ومراعاة حقوق الإنسان أثناء معالجة الصدامات بين المجموعات الإثنية المختلفة في المدينة.
ومنه،فلابد للمواطنين الوطنيين القراريين الخيرين جميعا ومن جميع الأطياف، من العمل دون يأس ولا انعزالية لإعادة قطار الحياة الطبيعية الهادئة في المنظومات التربوية والاقتصادية والصحية والاجتماعية لنشاطها تدريجيا، وأفضل مما كان، بإشراك جميع مكونات المجتمع القراري المسالم الأصيل، لأن ما يعرفه الكل تقريبا عن القرارة أنها كسائر المدن الجزائرية متنوعة عرقيا ولغويا وإثنيا وأيضا مذهبيا وطبقيا، بالضبط كما هو تنوع التركيبة السكانية للمدن والقرى الجزائرية كلها. وأنها ظلت خلال العقود الثلاثة الأخيرة أي منذ بداية الانتقال الديمقراطي التعددي، رمزا لنوع من "الديمقراطية التوافقية" بين أعراضها وقبائلها ومذهبيْها الدينيين العريقين في هذه الربوع، رمزا للتعايش التنافسي لا الصراعي، مثال للوحدة الوطنية في ظل التنوع. لكن هذه الأزمة والصدامات العنيفة والتعديات على بعض الرموز الوطنية والإسلامية، تأتي -لاقدر الله- لتنسف مسيرة وجهود طويلة في سبيل بناء مدينة متحضرة آمنة يعيش فيها الجميع في كنف الأمن والحرية وبحبوحة العيش والتكافل النموذجي.
أما عن منهجية تشريحنا لهذه الوضعية الاجتماعية غير الآمنة في القرارة، فتتمثل في التأكيد على وجود مقاربتين متعارضتين سائدتين في الأوساط الإعلامية والسياسية والثقافية المحلية والمركزية، وهما: أولا: المقاربة الاختزالية، التبسيطية، الانعزالية، الصراعية، الصدامية، اللامتسامحة للأزمة ؛ وثانيا المقاربة الشمولية، التركيبية، الوحدوية، التعايشية-التنافسية، الحوارية، المتسامحة، للأزمة. علما بأن المقاربة الغالبة نسبيا هي الأولى، ويالأسف. حيث أن جل النقاشات والتدخلات العامة والخاصة في تحليل الأزمة تركز على الظاهر منها وهي اعتبارها مناوشات بين عروش معينة ذات خصوصيات لغوية ودينية معينة، في نظرة تحليلية اختزالية تبسيطية محدودة، تفضي إلى حلول غير صحيحة وغير مستدامة، فضلا عن عدم استبعاد تكرار مثل هذه المناوشات، طالما أن التحاليل السابقة والراهنة لمثل تلك المناوشات، لا تتوخى تعميق النظر وتوسيع الأفق والمقاربة العلمية والمنهجية النسقية الشاملة لها.
فالناظر إلى الخريطة الدولية ومنها الإفريقية والعربية الإسلامية تحديدا يكتشف أن جل النزاعات التي تشهدها جل دولها الحديثة الاستقلال منذ نهاية الحرب الباردة هي نزاعات داخلية، ذات طبيعة إثنية وعرقية ومذهبية وقبلية وعشائرية، فضلا عن النزاعات الاجتماعية المطلبية العهودة الناتجة جميعها عن ضعف تكيف المنظومات العمومية والخاصة مع التغيرات العولمية السريعة.
ومنه فإن المقاربة التي نتبناها هي المقاربة الثانية وهي مقاربة نسقية لا عشوائية، تمكننا من أن نضع النظام المجتمعي القراري ضمن تفاعلات منطقية النسق المحلي الولائي المناطقي الجهوي وفي النسق الوطني فالإقليمي فالكوكبي، ومنه نتعرف على التفاعلات والتداخلات والتناقضات والتكاملات. وإلا ظللنا ندور حيث دارت التفسيرات والتحليلات السهلة التبسيطية والاختزالية التجزيئية. خاصة وأن أهم تمظهرات لا جواهر هذه الأحداث أنها ذات صبغة هوياتية، على صفيح من الرهانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية الإقليمية المتداخلة. ومن جهتي فإني أزعم أن المقاربة الاختزالية الانعزالية هي الطريقة الجيدة لإساءة الفهم وإساءة السلوك بالتباع.
كما أن عملية تفكيك خيوط أزمة ما لا يتطلب التعرف فقط على الأسباب الحقيقية المباشرة التي تقف وراءها وتفسر غوامضها ومنه تفتح الطريق للآفاق وآليات حلها، ولكن لابد أيضا من من التعرف على الأسباب غير المباشرة العميقة لها، وعلى الأطراف المتورطة فيها (متضررة ومستفيدة، بوعي وبدون وعي، قاصدة أو مغرر بها، محرضة ومحرض عليها)، وعلى السياقات التاريخية والنسقية المحلية والوطنية والإقليمية والكوكبية التي تجري فيها وتتفاعل مع تدفقاتها العابرة للحدود بفعل الوسائل الاتصالية المختلفة المعولمة، وعلى النتائج المباشرة والبعيدة التي انجرت وسنجر عنها، وأخيرا، ضرورة تحديد جملة من الحلول والعلاجات الوقائية السريعة والجذرية الهيكلية العميقة البطيئة، المطلوب من الأطراف المعنية بها البحث عنها جماعيا وتجسيدها في أرض الواقع حتى لا تتكرر المأساة.
وبعد هذا المدخل المنهجي، نأتي إلى تعداد مجموعة من الأسباب الهيكلية العميقة التي نرى أنها تقف وراء تكرر هذه الأزمة الاجتماعية-السياسية المحلية، وهذا من دون إغفال الأسباب المباشرة لها التي تطرقنا لها قبلا.
أولا:العنف العروشي والقبلي والعشائري والمذهبي والطائفي والمناطقي والجهوي والإثني والعرقي واللغوي والسياسي ليس حالة خاصة بالمدن التي تتساكن فيها عروش المزابيين الإباضية مع عروش العرب المالكية، بل هي حالة جزائرية عامة، بل هي حالة عربية-إسلامية وإفريقية معاصرة شبه عامة.
وكما هو معلوم فإن "العنف الهوياتي" هذا تقف وراءه عدة عوامل مفسرة ومحركة، منها: أزمة المشروع الوطني وتهافت الديمقراطية الصورية وفداحة فاتورةالحداثة والتنمية المشوهة ومشكلة التدين غير التوازن والمتطرف والتكفيري ؛ ومنه فشل سياسات الهوية القائمة على مفهوم الهوية والوحدة المحلية أو الوطنية أو الإسلامية أو العالمية المنمطة، فضلا عن التأثير غير المراقب والمتفلت للانفجار الاتصالي والإعلامي المتنامي.
إن التنوع العرقي والقبلي والعروشي والعائلي والعشائري والطائفي والمذهبي والإثني واللغوي والعصبي والمناطقي والسياسي والحزبي والأيديولوجي ليس هو المستغرب في الاجتماع-السياسي-الحضاري البشري، ولكن الغريب والمستهجن والمدان هو استخدام العنف تبرئة وقناعا وراء تحقيق مصالح سلطوية أو مصالحية معينة، أو من أجل بناء وحدة متوهمة على نمط أحادي ما، أو المطالبة الساذجة بالتدخل الأجنبي أو بالانفصال عن الوطن الجزائري العزيز على كل وطني أصيل.
إن جوهر أزمة الاجتماع-السياسي في القرارة وكل الجزائر تقريبا هو في تسويق فكرة ووهم الهوية الأحادية المزعومة والأصولية العرقية المفجرة للتماسك المجتمعي الجزائري. ذلك أننا إن لم نعترف بتعددية انتماءاتنا، مع البحث بعقل ومنطق عن القواسم المشتركة فيها وفي بيئتنا وعالمنا، فإننا سنسجن أنفسنا وبعضنا في علب صغيرة، في عالم ما يفتأ يصبح قرية اتصاليا. بينما حري بنا أن نملأ فضاءات الجوار المحلي والوطني والكوكبي بالاعتراف المتبادل والتعايش-التنافسي،وبناء الوحدة المحلية والوطنية في التنوع، بدل الأخذ بأفكار وسلوكيات التعايش-الصراعي. يقول إدغار موران عالم الاجتماعي الفرنسي المعاصر وفيلسوف علم التركيب، "إن العقول إذا لم تعقل تعددية الواحد، وواحدية المتعدد، فلن تنتج سوى الوحدة المنمطة أو التعدديات المنغلقة على نفسها."؛ كما يقول: الدكتور حسن الترابي المفكر الإسلامي المشاغب: "إن العقيدة ليست مللا منطقية كلامية أو سلفية والفقه ليس مذاهب أيمة وتلاميذ ومقلدين، والأذكار والشعائر ليست أمور مشايخ وحواريين وطرقا بشعارات ورواتب خاصة، والأمة ليست طوائف شيعية أو سنية أو إباضية كلها روافض وخوارج".
ومن جهة أخرى، نلفت انتباه القارئ البصير إلى أن جزءا هاما من العنف المجتمعي المديني -جزائريا عموما، والقائم قراريا ومزابيا تحديدا- يُفَسر أيضا بعملية التحول المؤلمة الجارية منذ عقود والمتعلقة بعملية التحديث المضطربة القاسية والتي من أهم ديناميكياتها ومظاهرها انتقال السكان من الأرياف إلى المدين، ومنه بروز تناقضات سيرورة "ترييف المدن"، وما ينتج عنسيرورات تزايد الإقبال على التعليم واقتناء لوسائط الإعلام والاتصال التي تمكن من الاطلاع على مستويات العيش خارج الحدود، ومنه تزايد حالة تسييس فئات مهمشة واسعة وتنامي المطالب الحقوقية والتنموية لمختلف الفئات كالشباب والنساء مثلا...
ثانيا:فشل المنظومة التربوية والإعلامية والاقتصادية والعمرانية والإسكانية والسياسية والمسجدية والإدارية في تحضير جزء هام من المجتمع الجزائري والقراري بالتباع ونقله من الحالة العنفية ما قبل الوطنية وما قبل الحداثية إلى الحالة السلامية الوطنية المعولمة، التي تنفتح على الجميع بلا عقدة أو نكوص، وتأخذ وتعطي بلا نكران أو تحيز. فمثلا على المستوى السياسي والحزبي هناك أزمة في بناء دولة الجميع باعتبارها خيرا مشتركا لجميع الجزائريين، فجميع المشاريع الكبرى تتهاوى أمام ناظرنا، سواء منها المشروع الوطني والقومي والإقليمي المغاربي والإسلامي، وذلك تحت مطرقة ثلاثية: القبيلة والعقيدة والغنيمة، بتعبير الفيلسوف الراحل محمد عابد الجابري. كما أن البناء الديمقراطي الجزائري لا يزال هشا، على مشارف انتخابات رئاسية تحبس كالعادة منذ الاستقلال، الأنفاس وتثير الهواجس حول الوحدة والتماسك الوطني والترابي للجزائر، وهذا برغم مرور أزيد من ثلاث عقود من بداية الانتقال المؤسساتي والقيمي نحو النظام السياسي الديمقراطي التعددي. إذ ما تزال القرارة مثلا تعاني من عدم التصفية السلمية النهائية لمخلفات ملف تعويضات تأميمات الثورة الزراعية الظالمة، وملف العقار السكني والصناعي والتجاري والزارعي ؛ وما تزال تعيش اقتصاديا وإداريا على هوامش التنمية، إذ أن القرارة كغيرها من المدن الطرفية في الولاية، وكغيرها من مدن وقرى الأطراف في سائر الولايات عبر الجمهورية، تعاني من مركزية وبيروقراطية مزدوجة: الأولى آتية من عاصمة البلاد نحو عاصمة الولاية، والثانية آتية من عاصمة الولاية نحو المدن الطرفية كالقرارة والمنيعة وبريان وغيرها. ومنه معاناة القرارة كغيرها من مدن الولاية الطرفية من عجز في شمولية التنمية وخاصة منها التنمية السياسية والاقتصادية والثقافية. فمن جهة التنمية السياسية والإدارية والأمنية، تعاني القرارة مثلا من عجز في آليات التغلغل السياسي ومن ضعف ولاديمقراطة في عملية التوزيع السياسي للموارد: فمن جهة العجز الأول يمكن التمثيل عليه بضعف التغطية الأمنية لهذه المدينة الثالثة في الولاية سكانيا، بتعداد يفوق السبعين ألف نسمة، يقابلهم تعداد من رجال الأمن والدرك لا يتجاوز بضعة عشرات من الأنفار، فضلا عن التعداد الضعيف للموظفين المكلفين بالخدمة العمومية في المرافق العمومية المحلية المختلفة في المصالح الاستشفائية أو التعليمية أو الإدارية المختلفة. وهي بالضبط نفس المشكلة الهيكلية التي كانت خلف  انفجار أحداث بريان سنوات 2007-2009م، التي زاد تضاعف تعدادها السكاني من دون أن تتضاعف أساليب الإدارة والتسيير والحكم والتنمية؛ أما من جهة العجز الثاني فيتمثل في ضعف المخصصات المالية من الميزانيات المتعلقة بالبرامج العمومية الولائية والقطاعية التي تفتقر إلى التسيير العقلاني والديمقراطي واللامركزي، حيث أن فئة هامة من سكان الدائرية هم سابقا -وحاليا نسبيا-من البدو الرحل، وقد تحولوا خلال العقود الثلاثة الأخيرة في معظمهم إلى سكان حضر، متوطنين في هذه المدينة التي يتميز أهلها من قديم بحركية اقتصادية كبيرة في مختلف مدن الجزائر شمالا وجنوبا، شرقا وغربا.
ثالثا:استمرار حالة التعارض بين حالتي وديناميكيتي التقسيم الإثني والعروشي والجهوي للعمل والتقسيم الوظيفي للعمل في الجزائر كلها، ومنها حاضرة القرارة:
فالأول يقتضي بأن يتم تداول فرص العمل، ومنه الإفادة من فرص الدخل (الثروة) والسلطة، مثلا بين المنتمين إلى العرش والقبيلة والجهة،ومنه ممارسة نوع من المحسوبية الإيجابية لصالح طالب العمل من بين المنتمين لكل جماعة إثنية. بينما يستمر استئناس فئةالشباب القراري في وضعية المتكفل بهم من قبل المصالح العمومية المعنية بقطاع التشغيل، على عهد المنظومة الاشتراكية السابقة. وحيث أن منظومة التنمية القائمة منذ نهاية التسعينيات ترتكز على القطاع الخاص أساسا وعلى التنمية الرأسمالية المتوحشة، في ظل غياب خطة تنموية تصنيعية مندمجة في الفضاء المغاربي المعولم، فإن فئات من الشباب المحلي لا تجد استجابة لمطالبها في الشغل فإنها تلجأ إلى تفريغ مكبوتاتهم المتراكمة -عبر ممارسة دورية لعنف طائفي، عروشي-من جراء معاناتهم من وضعية الانتظارية والزبونية والتسول للرعاية الحكومية التي لا تأتي أو تأتي شحيحة وإقصائية وبطيئة وانتقائيةومناسباتية انتخابية، كما جرى ويجري هذه الأيام مع زياراتالسيد الوزير الأول لعدة ولايات، منها زيارته لولاية غرداية.
بينما يقتضي الثاني، أي التقسيم الوظيفي للعمل(التخصص)، بأن يتم تداول فرص العمل،ومنه الافادة من فرص زيادة الدخل (الثروة) والسلطة بين المواطنين الواعين الأكفاء المتنافسين سلميا بما هو متاح بين يديهم من فرص متفاوتة في تعظيم ثرواتهم ومكانتهم المجتمعية والسياسية.
ولما كان منسوب الوعي المحلي بأهمية وفعالية الأخذ بالتقسيم الوظيفي للعمل، ومنه الوعي بضرورة الإفادة من حالة الاعتماد المتبادل بين المواطنين الجزائريين عموما بغض النظر عن انتمءاتهم الجزئية المختلفة نسبيا ؛ فقد استتسهل فئة من سكان القرارة اللجوء إلى أعمال عنف ضد مصالح حيوية تمس معيشتهم اليومية في عمل انتحاري رهيب، كمثل حرق المخابز والصيدليات والعيادات والمصانع والمرافق الخاصة والعامة، ما يدل سذاجة فائقة وتدمير وانتحارذاتيبلا نظير ؛ كما يشي بعدم قدرة فئة هامة من الأجيال الجديدة خاصة من فئة الشباب المحروم دراسيا وثقافيا وترفيهيا وسكنيا ووظيفيا، من التكيف الإيجابي والتعامل العقلاني الموضوعيمع حالة التمدن الجزائرية المعاصرة الجارية، والتي ما تفتأ تنتقل ديناميكيتها الاجتماعية من حالة التقسيم الإثني للعمل إلى حالة التقسيم الوطيفي للعمل، بحيث يصبح الأخذ بمبدأ الاعتمال المتبادل الوظيفي ومن ثمة التحكم في المشاعر حال حدوث أزمات توافق ظرفية،حول أي ملف تنموي أو اجتماعي محل خلاف، مسألة حضارية حيوية.
ومنه فإن أردنا أن ننجح في بناء حالة حضارية سلمية محلية ووطنية، فلابد بالإضافة إلى الوعي بحالة الاعتماد المتبادل وأهمية التحكم في المشاعر، من بناء المنظومة الوطنية والمحلية على أركان أخرى لـ(السلام الإيجابي) الذي لا يعني مجرد عدم استخدام المواطنين للسلاح والنزاع الدامي لحل المشكلات( أي تحقيق حالة السلام السلبي) وإنما بتوفير أركان أخرى لذلك السلام الإيجابي الوطني والمحلي، التي عددهاالباحث السياسي الألماني المعاصر دييتر سانغاس وهي ستة: ركن الاحتكار الدستوري لاستخدام القوة، وركن دولة القانون والحكم الراشد وركن المشاركة الديقراطية وركن العدالة الاجتماعيةركن الاعتماد المتبادل والتحكم في المشاعر، وأخيرا، ركن الثقافة السياسية المتعلقة بالإدارة البناءة للنزاعات. ومنه، فلا يمكن لسكان القرارة أو لسكان أي حاضرة جزائرية، في ظل هذا الانتقال التحديثي المشوه والمشوش والقلق والمتأزم،في عالم متأزم جدا، إلا أن يعوا مسؤولياتهم في ضرورة بناء حالة سلامية حضارية مستدامة محليا ووطنيا.
رابعا:التغطية الإعلامية الوطنية غير المهنية والمتحيزة لأحداث القرارة. حيث يشكو الجزائريون عموما من تعمد فئة من المراسلين والصحفيين والصحف اليومية الخاصة والقنوات الخاصة الجزائرية توظيف الأحداث والأزمات لزيادة المبيعات والمقروئية على حساب المهنية والاحترافية والموضوعية والحيادية، ما يزيد حدة العنف اشتعالا والأحقاد والرغبة في الانتقام وحشية وراديكالية، ومنه افتقار جل القائمين والعاملين في المنظومة الصحفية الوطنية إلى الإلتزام الصارم بأخلاقيات المهنة. ومنه يتعين أن تواكب عملية تجديد المنظومة التشريعية الوطنية التي تعززت بقانون جديد للإعلام خلال سنة 2012م، متابعة قضائية وسياسية وحقوقية صارمة للانحرافات الصحفية التي تمس بالوحدة الترابية والبشرية للشعب الجزائري. ويبقى التحدي الأكبر محليا ووطنيا هو في كيفية التحكم في ظاهرة الانفلات الأمني لشبكات التواصل الاجتماعي ومنظومة الاتصال الهاتفي الرقمية من عقالها وعقلها، باستغلالها من طرف فئات مختلفة بهدف نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة والملفقة والمضخمة والمضللةوالتي لا تتجاوز في حق الإنسان والوطن والدين والمؤسسات فتجرح وتسب وتقذف وتتلاسن وتتلاعن، بينما تنتشر الأفكار والاتجاهات الإيديولوجية الدينية والعرقية والقبلية والحزبية المتعصبة التي تتعمد التخوين والتكفير للمخالفين والخصوم، ولا تتوانى عن انتهاج أسلوب التحريش بين المواطنين على أساس انتماءات طبيعية عادية مشروعة، لقضاء مآرب ونزوات شخصية أو فئوية أو حزبية أو بزناسية مافيوية - في ظل تداول اتساع رقعة متعاطي المخدرات محليا - ؛ لذلك تجد الكثير من القيادات الأعيانية في القرارة نفسها متجاوزة وغير قادرة على التحكم في سلوك المنتمين لأعراشها.
وأخيرا، من دون أن نأتي على الأسباب الهيكلية والحلول المطلوبة لمثل هذه الأزمات المجتمعية العنيفة، فإنه من ضرورة بمكان انتباه جميع المواطنين الوطنيين الواعين إلى السياق الوطني والإقليمي والكوكبي المتأزم وتداعياته المحتملة جدا بل والكائنة فعلا في التماسك المجتمعي الوطني. إن أطروحة "الفوضى الخلاقة" ليست وهما، ولكنها تصبح سيناريو معطل وغير ممكن التحقق،فقط عندما يزداد الوعي بمسؤولياتنا تجاه "جوارنا" المحلي والوطني والإقليمي والكوكبي. كما أن حالة الترقب التي تسود البلاد العباد على مقربة من الاستحقاق الرئاسي المقبل، ومنه، عدم استبعاد الصحة النسبية لفرضية تلغيم الساحة وتحريك الشارع الجزائري باستخدام كل الأوراق المتاحة وضرب حلقات الوطن الأضعف أو ضرب الوطن من حلقاته الأضعف، في لعبة غير بريئة لتحقيق أهداف انتخابية سلطوية مصالحية، إما من قبل أولئك الذين هم ضد أو مع العهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة. إن المرحلة لا شك تتطلب من المواطنين الوطنيين النزهاء، الانتباه إلى أن الوطن الجزائري يمر حاليا بخطر حقيقي لا تهويلي ولا وهمي. ومنه ضرورة الانتباه إلى أن مخابر استراتيجيات صناعة العدو التي ما تفتأ تلغم المستقبل المشترك لعدة شعوب، منها الشعب الجزائري، بهدف افتراسها، واختلاسها واحتلالها، وإعادة صناعة خرائط جيوسياسية وجيواستراتيجية وجيواقتصادية جديدة على أشلاء أبنائها وأنقاض منجزاتها.
أخيرا، نقول كما يقول خبراء اليونيسكو، "إن الحروب تبدأ في العقول"، فلنسلحها بالوعي بخطط سماسرة الحروب والأزمات والاستحقاقات الانتخابية، لإفشلها في المهد. كما يتعين علينا التأكيد مرة أخرى، أن ظاهرة العرش والقبيلة والعشيرة والطائفة والحزب والمذهب والدين والوطنية والقومية لم تكن مصدرا للاحتراب لذاتها، وإنما كانت شراهة البعض لتعظيم تقاسمهم للسلطة والثروة وراء كل عنف غير مشروع مدمر للأوطان والأمم والقبائل والأديان والعروش معا. كما نؤكد أيضا أن احتكار الحقيقة والدين والوطن والوطنية والديمقراطية والمذهب أو أي أحد من عناصر الهوية الوطنية والإنسانية، والمزايدة بها على الآخرين، والاستخدام السياسوية والمصالحي الأناني لها، يعد ظلما لجميع تلك العناصر المشتركة في اجتماعنا البشري، يجب على الجميع الوقوف ضده بالطرق السلمية الحضارية وباليقظة الدائمة وبالخطط المتقاسمة للخروج من حلقات التخلف الهيكلي لأوطاننا.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

مدخل الى تحليل نسقي شامل للازمة القرارية في غرداية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 KonuEtiketleri كلمات دليلية
مدخل الى تحليل نسقي شامل للازمة القرارية في غرداية شبكة ادرسني , مدخل الى تحليل نسقي شامل للازمة القرارية في غردايةعلى منتدانا , مدخل الى تحليل نسقي شامل للازمة القرارية في غرداية منتديات درسني ,مدخل الى تحليل نسقي شامل للازمة القرارية في غرداية ,مدخل الى تحليل نسقي شامل للازمة القرارية في غرداية , مدخل الى تحليل نسقي شامل للازمة القرارية في غرداية
 KonuLinki رابطالموضوع
 Konu BBCode BBCode
 KonuHTML Kodu HTMLcode
صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الدراسة - Al-dirassa Forum :: هنـــــا الجزائــر :: أخبار الجزائـر-

ملاحظة مهمة : نحن (شبكة درسني) لا ننسب أي موضوع لشبكتنا فمنتدانا يحتوي على مواضيع منقولة و مواضيع منقولة بتصرف